محمد بن جرير الطبري
377
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقالوا : غير جائز أن تجعل " أن " زائدة في الكلام وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة قالوا : والمعنى : ما يمنعنا ألا نقاتل ؟ فلا وجه لدعوى مدع أن " أن " زائدة ، وله معنى مفهوم صحيح . قالوا : وأما قوله : " لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها " ، فإن " لا " غير زائدة في هذا الموضع ، لأَنه جحد ، والجحد إذا جحد صار إثباتا . قالوا : فقوله : " لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها " إثبات الذنوب لها ، كما يقال : ما أخوك ليس يقوم ، بمعنى : هو يقوم . وقال آخرون : معنى قوله : ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ ما لنا ولأَن لا نقاتل ، ثم حذفت الواو فتركت ، كما يقال في الكلام : ما لك ولأَن تذهب إلى فلان ؟ فألقي منها الواو ، لأَن " أن " حرف غير متمكن في الأَسماء وقالوا : نجيز أن يقال : ما لك أن تقوم ؟ ولا نجيز : ما لك القيام ؟ لأَن القيام اسم صحيح ، و " أن " اسم غير صحيح وقالوا : قد تقول العرب : إياك أن تتكلم ، بمعنى إياك وأن تتكلم . وأنكر ذلك من قولهم آخرون ، وقالوا : لو جاز أن يقال ذلك على التأويل الذي تأوله قائل من حكينا قوله ، لوجب أن يكون جائزا : " ضربتك بالجارية وأنت كفيل " ، بمعنى : وأنت كفيل بالجارية ، وأن تقول : " رأيتك أبانا ويزيد " ، بمعنى : رأيتك وأبانا يزيد ؛ لأَن العرب تقول : إياك بالباطل أن تنطق قالوا : فلو كانت الواو مضمرة في أن لجاز جميع ما ذكرنا ؛ ولكن ذلك غير جائز ، لأَن ما بعد الواو من الأَفاعيل غير جائز له أن يقع على ما قبلها . واستشهدوا على فساد قول من زعم أن الواو مضمرة مع " أن " بقول الشاعر : فبح بالشرائر في أهلها * وإياك في غيرهم أن تبوحا وأن " أن تبوحا " لو كان فيها واو مضمرة لم يجز تقديم غيرهم عليها . وأما تأويل قوله تعالى : وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فإنه يعني : وقد أخرج من غلب عليه من رجالنا ونسائنا من ديارهم وأولادهم ومن سبي . وهذا الكلام ظاهره العموم ، وباطنه الخصوص ؛ لأَن الذين قالوا لنبيهم : ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كانوا في ديارهم وأوطانهم ، وإنما كان أخرج من داره وولده من أسر وقهر منهم . وأما قوله : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ يقول : فلما فرض عليهم قتال عدوهم والجهاد في سبيله ، تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ يقول : أدبروا مولين عن القتال ، وضيعوا ما سألوه نبيهم من فرض الجهاد . والقليل الذي استثناهم الله منهم ، هم الذين عبروا النهر مع طالوت وسنذكر سبب تولي من تولى منهم وعبور من عبر منهم النهر بعد إن شاء الله إذا أتينا عليه . يقول الله تعالى ذكره : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني : والله ذو علم بمن ظلم منهم نفسه ، فأخلف الله ما وعده من نفسه وخالف أمر ربه فيما سأله ابتداء أن يوجبه عليه . وهذا من الله تعالى ذكره تقريع لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ومخالفتهم أمر ربهم . يقول الله تعالى ذكره لهم : إنكم يا معشر اليهود عصيتم الله وخالفتم أمره فيما سألتموه أن يفرضه عليكم ابتداء من غير أن يبتدئكم ربكم بفرض ما عصيتموه فيه ، فأنتم بمعصيته فيما ابتدأكم به من إلزام فرضه أحرى . وفي هذا الكلام متروك قد استغني بذكر ما ذكر عما ترك منه ؛ وذلك أن معنى الكلام : قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فسأل نبيهم ربهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله . فبعث لهم ملكا ، وكتب عليهم